خديعة القرن.. كيف أخفت إسرائيل مفاعل ديمونة خلف ستار مصنع للنسيج؟ - الخليج الان

مع تطورات جديدة خديعة القرن.. كيف أخفت إسرائيل مفاعل ديمونة خلف ستار مصنع للنسيج؟، نقدم لكم كل ما تحتاجون إلى معرفته بشكل شامل ودقيق عن هذه التطورات ليوم الأحد 22 مارس 2026 08:14 مساءً

Advertisements

​انطلقت شرارة الطموح النووي الإسرائيلي من قلب الرمال القاحلة في بدايات الخمسينيات حين شرعت الدولة في استخلاص اليورانيوم من فوسفات صحراء النقب لتطوير قدرات تقنية تمهد الطريق لبناء منشأة ضخمة عُرفت لاحقاً باسم مفاعل ديمونة

ولم يكن هذا المشروع ليتحقق لولا التحالف الوثيق مع فرنسا التي قدمت الدعم التكنولوجي والهندسي اللازم لتصميم وبناء المجمع تحت غطاء من السرية التامة التي ميزت تحركات بن غوريون آنذاك.

​وحسب تقرير لعدد من الباحثين في شؤون الأمن الدولي فإن اتفاقاً سرياً جرى بين باريس وتل أبيب أدى لتشييد مفاعل ديمونة بعيداً عن أعين الرقابة الدولية والمفتشين لسنوات طويلة. وقد استثمرت إسرائيل حالة الغموض السياسي لتقديم المجمع في بداياته للعالم على أنه مجرد مصنع للنسيج أو منشأة زراعية وبحثية للمعادن، مما سمح بتمرير المعدات والمواد الأساسية دون إثارة شكوك الوكالات الدولية التي كانت تراقب الانتشار النووي.

​أعلن ديفيد بن غوريون في عام 1960 أن المنشأة المقامة في النقب هي مركز للأبحاث النووية المخصصة لأغراض سلمية فقط، إلا أن صور طائرات التجسس الأمريكية كشفت زيف تلك الادعاءات.

وأظهرت الصور الجوية أن حجم البناء وتجهيزات مفاعل ديمونة تتجاوز بكثير الاحتياجات المدنية أو البحثية، مما أثار قلقاً بالغاً في واشنطن ودفعها لإرسال مفتشين دوليين في الستينيات في محاولة لفهم طبيعة الأنشطة العسكرية التي تجري داخل الغرف المغلقة.

المفتشون والخدع البصرية داخل المنشأة

​واجه المفتشون الأمريكيون صعوبات بالغة في تكوين صورة كاملة عن طبيعة العمل داخل المنشأة بسبب الإجراءات الاستخباراتية المعقدة التي اتخذتها إسرائيل لإخفاء الأجزاء الحساسة من المجمع النووي. وتشير التقديرات الأمنية إلى أن المهندسين قاموا بتركيب لوحات تحكم زائفة لضلوع الزوار في مسارات وهمية، كما تم إغلاق ممرات سرية تؤدي إلى المفاعلات الفرعية، مما جعل مفاعل ديمونة لغزاً عصياً على الحل بالنسبة لخبراء الطاقة الذرية في ذلك الوقت.

​أكد الخبراء لاحقاً غياب أي برنامج علمي أو مدني واضح للطاقة يبرر وجود منشأة بهذا الحجم الهائل، مما عزز القناعة الدولية بوجود برنامج سري لتطوير الأسلحة الفتاكة.

 وفي عام 1968 حسمت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية الجدل بتقرير سري خلص إلى أن إسرائيل بدأت فعلياً في إنتاج رؤوس نووية، منهية بذلك سنوات من التكهنات حول حجم الترسانة الحقيقية التي يتم إعدادها في مختبرات مجمع ديمونا تحت جنح الظلام.

​تطورت التقنيات المستخدمة في استخلاص البلوتونيوم داخل المجمع بشكل متسارع، مما جعل التقديرات الغربية تشير إلى امتلاك إسرائيل لعشرات القنابل القادرة على تغيير وجه المنطقة جغرافياً وسياسياً. وظلت السياسة الإسرائيلية تعتمد على "الغموض الاستراتيجي"، حيث لا تنفي ولا تؤكد امتلاكها للسلاح النووي، معتمدة على هيبة مفاعل ديمونة كقوة ردع صامتة تؤمن حدودها وتمنحها تفوقاً عسكرياً نوعياً يثير حفيظة جيرانها في الشرق الأوسط.

انشقاق فعنونو وسقوط قناع السرية

​جاءت الضربة القاصمة لجدار السرية في عام 1986 عندما قرر الفني مردخاي فعنونو، الذي كان يعمل في قلب المنشأة، تسريب معلومات وصور بالغة الخطورة للصحافة البريطانية. وكشفت تلك التسريبات للعالم تفاصيل دقيقة لم يكن يعرفها سوى القليلين عن البرنامج النووي، مما أكد للعالم أن مفاعل ديمونة لم يكن مجرد مركز أبحاث، بل هو المصنع الرئيسي لإنتاج الترسانة النووية التي أصبحت حقيقة واقعة لا تقبل الشك.

​تعرض فعنونو لعملية استدراج استخباراتية معقدة عرفت باسم "مصيدة العسل" حيث أقنعته عميلة إسرائيلية بالسفر من لندن إلى روما، ليتم تخديره هناك واختطافه سراً إلى تل أبيب.

 وهناك واجه فعنونو محاكمة مغلقة بتهمة الخيانة العظمى وصدر بحقه حكم بالسجن لثمانية عشر عاماً، في محاولة من السلطات الإسرائيلية لترميم جدار السرية الذي تصدع بشدة بعد أن أصبحت أسرار النقب منشورة على صفحات الجرائد العالمية.

​وصف شمعون بيريز، الأب الروحي للبرنامج النووي، ما فعله فعنونو بأنه ألحق أضراراً جسيمة بالأمن القومي الإسرائيلي وفضح استراتيجيات دفاعية كانت تدار في الخفاء لعقود طويلة. 

ورغم السجن والتعتيم، ظلت شهادة فعنونو المرجع الأهم للمنظمات الدولية التي تسعى لمراقبة التسلح، حيث قدمت أول دليل مادي ملموس على أن إسرائيل قد تجاوزت العتبة النووية منذ زمن طويل بفضل التقنيات المتطورة في مفاعل ديمونة.

الازدواجية الدولية ومطالب نزع السلاح

​أثارت هذه التطورات موجة من القلق العارم لدى الدول العربية والشرق أوسطية التي اعتبرت امتلاك إسرائيل لهذا النوع من الأسلحة تهديداً مباشراً لاستقرار المنطقة وتوازنات القوى فيها. واتهمت عواصم عربية عديدة الولايات المتحدة باتباع سياسة الكيل بمكيالين، حيث تغض الطرف عن المنشآت الإسرائيلية بينما تفرض عقوبات مشددة على دول أخرى مثل العراق وإيران وسوريا لمجرد الاشتباه في سعيها لامتلاك تكنولوجيا مشابهة.

​دعا محمد البرادعي، المدير العام الأسبق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، إسرائيل بوضوح إلى الانضمام لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية وفتح منشآتها للتفتيش الدوري لضمان السلام الإقليمي. واعتبر البرادعي أن وجود برنامج نووي غير خاضع للرقابة في النقب يمثل حجر عثرة أمام أي مشروع جاد لإخلاء الشرق الأوسط من أسلحة الدمار شامل، محذراً من أن سياسة الغموض قد تؤدي لسباق تسلح مدمر.

​وحذر خبراء دوليون من أن الاعتقاد الإسرائيلي بأن امتلاك السلاح النووي يوفر الأمن المطلق قد يكون وهماً خطيراً، لأنه يدفع القوى الإقليمية الأخرى للشعور بالتهديد الدائم والسعي لامتلاك قدرات رادعة. ويبقى مفاعل ديمونا حتى اليوم رمزاً لهذا الصراع الخفي، وشاهداً على حقبة من التنافس التكنولوجي والعسكري التي بدأت منذ الخمسينيات ولم تنتهِ فصولها بعد في ظل استمرار رفض إسرائيل الكشف عن حقيقة ترسانتها.

للحصول على تفاصيل إضافية حول خديعة القرن.. كيف أخفت إسرائيل مفاعل ديمونة خلف ستار مصنع للنسيج؟ - الخليج الان وغيره من الأخبار، تابعونا أولًا بأول.

أخبار متعلقة :