مع تطورات جديدة أدهم سراي الدين: الأدب ليس ترفاً والحياة بلا فن طبيعة بلا ألوان، نقدم لكم كل ما تحتاجون إلى معرفته بشكل شامل ودقيق عن هذه التطورات ليوم الجمعة 30 يناير 2026 01:08 صباحاً
بين سوريا التي تسكن خلاياه، وكندا التي منحت غربته لغاتٍ وأفقاً جديداً، يقف الكاتب الكندي من أصل يور، أدهم سراي الدين شاهداً على تمزقات الهوية وحرائق الحنين.
في هذا الحوار لـ«تليجراف الخليج» نغوص مع سراي الدين في فلسفته الخاصة التي ترى في الكتابة "مغامرة وجودية" تشبه صعود القمم الوعرة، حيث لا يقين إلا الكلمة. يتحدث عن "هوامش دفتر الذاكرة"، وعن أبطاله الذين يتمردون على سلطة المؤلف ليشقوا دروبهم الخاصة.
نفتح دفتراً من الذكريات والقلق الوجودي مع مع أدهم سراي الدين، الذي يرى الأدب ليس مجرد حكايات تُروى، بل إضاءة على المناطق المعتمة في النفس البشرية، وهو يتحدث بلغة تمزج بين الفلسفة والشعر،
بين تجربة الاغتراب التي صقلت وعيه بلغات متعددة، وبين الحنين الذي يحرك ركود الذاكرة، يأخذنا أدهم في رحلة لاستكشاف العلاقة المعقدة بين الزمان والمكان، مؤكداً أن القصة القصيرة القصة القصيرة مختبر كيميائي يمزج الشعر بالرياضيات بالسينما، وأنها "فن السهل الممتنع" الذي يستوعب كثافة الوجود في سطور معدودة.. وإلى نص الحوار :
لنبدأ من السؤال الذي تطرحه أنت بنفسك في تقديم كتابك «هوامش على دفتر الذاكرة»: "ما الهدف أو المغزى من قصة ما؟" لماذا يبدو هذا السؤال مُربكًا لك؟
من وجهة نظري إن القصة وجدت لكي تصف وتضيء على الأماكن المعتمة وليس كي تشرح.. هي لا تملك إجابات وليس عندها حلول، فقط تمسك لحظة الفكرة محملة بشحنات من المشاعر المختلطة، قبل أن تتلاشى كدخان السجائر. أضف إلى ذلك أن إرباك القاص يعود إلى أن الناس العاديين وهم الأكثرية في مجتمعاتنا يرون إلى الأدب والفن عموماً والقصة القصيرة خصوصاً، شيئاً في الحياة، غير منتج مادياً بالنسبة لهم غير مدركين أن الحياة من دون فلسفة وأدب وفن كالطبيعة من دون ألوان ورطوبة وحرارة.
الكتابة بوصفها مغامرة… والحنين كقوة خَلّاقة.. كيف تقيم تجربتك؟
حقاً معك حق في توصيف الكتابة كمغامرة، إنها دائماً مليئة بالمفاجآت كصعود جبل إيفرست، فالكاتب _ على أكبر تقدير - لا يتوقع أكثر من جملتين للأمام أثناء الكتابة، ودائماً عندما أكتب قصصي وأكون قد خططت أن أذهب بها في اتجاه معين، لكن أبطالي في القصة تقاوم وتذهب بي إلى مسارات أخرى، كأنها تملك إرادة حرة، وكأنها تصرخ بك قائلة أنها ليست بيدقاً وأن حياتها ليست معادلة رياضية (1+1=2) نكتبها ببساطة ونمضي... والحنين والذاكرة هي أدوات يتكئ عليها الكاتب حتى يشحن أفكاره بالمشاعر، فالأفكار من دون تيار الأحاسيس تذهب من دون أن ترتعش بها أرواحنا.
هذا يقودنا إلى مسألة التجريب في كتابتك. إلى أي مدى يشكّل التجريب ضرورة لديك، لا مجرد اختيار جمالي؟
من خلال تجربتي، أرى أن القيمة الحقيقية للأدب الأصيل لا تقاس بغايته فقط، بل بكيفية مقاربته وأسلبتِه (من الأسلوب). أي كيفية إعادة النظر إليه من خلال فلاتر مختلفة وزوايا متعددة وذلك من خلال الكلمات وإيقاعها التي تعيد اختراع القصص وتجديد الأفكار وزرع الدهشة على وجوه القراء. من هذا المنظور يصير التجريب في العملية السردية شرطاً لازماً لإبقاء الديناميكية والتجديد حتى يتحدى الكاتب نفسه ويتجاوزها.
س: نلمس في نصوصك حضورًا كثيفًا للذاكرة، لكن ليست ذاكرة ساكنة أو نوستالجية تقليدية، بل ذاكرة قلقة، متحركة. كيف ترى علاقتك بالذاكرة؟
الذاكرة بالنسبة لي أشبه بالحلم مليئة بفراغات النسيان والزمن الذي مضى، لكن ومضاتها تبقى في وجداني متوهجة كحمض الـ DNA. لذلك فهي حية وتتبدل بمشيئة شخوصي في القصة ويتخلق من نسيجها مادة سردية حية ومتغيرة كي تشكل عناوين جديدة لحاضرنا الذي نعيش فيه.
بما أنك تعاني الاغتراب، كما يظهر في مجموعتك الأخيرة "هوامش على دفتر الذاكرة"، كيف أثّرت تجربة العيش خارج الوطن على كتابتك؟
الغربة تبدأ صعبة مليئة بالفقد، والبعد عن الوطن والأهل وأصدقاء المدرسة، لكنها لا تلبث أن تملك معاني جديدة في وجداننا من خلال التجارب واتساع الوعي. فالاغتراب أعاد تشكيل علاقتي مع نفسي ومع العالم. لقد أضاف السفر والعمل مع أناس من ثقافات مختلفة كثيراً، إضافة إلى تعلم اللغات فأنا أتقن اللغة الروسية والإنجليزية فضلاً عن العربية. كل ذلك نحت تجربتي الشخصية الأدبية إلى جانب خبراتي التي اكتسبتها من الطبيعة نفسها للأماكن المتعددة التي عشت فيها؛ إن للخريف، الشتاء، الربيع والصيف أثر عميق في روحي ككاتب.
في نصوصك، نلاحظ اشتغالًا واضحًا على العلاقة بين الزمان والمكان. كيف تفهم هذه العلاقة سرديًا؟
بالنسبة لي، الزمان والمكان ليسا خلفية محايدة تجري بجانبها أحداث القصة، بل عنصران يتفاعلان مع أبطال الرواية ليكشفا حالته الوجدانية وقلقه الإنساني الوجودي. من خلالهما يمكن أن أعكس توتر أبطال قصتي، عزلتها، انتماءها أو عدم انتمائها وثقل دقات ساعة الحائط على وجودها الأنطولوجي، كثافة الليل وحجم السماء واتساعها ولمعان النجوم، كل ذلك يتداخل مع كل شهيق وزفير لبطل الرواية.
ما الذي يحقق لك متعتك الأدبية؟
القراءة والكتابة تحقق متعة لا متناهية لي، إنها تقدم معنى لوجودي، فالكتابة ليست ترفاً، إنها ضرورة متناهية الأبعاد. نحن حين نكتب لكي نخلد البشرية. نعلن ثورتنا على الفناء وأننا عصاة العدم، فالموت لن يطفئنا فهناك أثر ما باقٍ منا وربما سوف نعيش ولن ننسى خلال فترة وجيزة كأننا لم نكن.
كتبت القصة والرواية، ما الميزة الجمالية التي تمتلكها القصة القصيرة مقارنة بغيرها من صنوف الفن؟
القصة القصيرة هي فن السهل الممتنع، خاصيتها نابعة من كونها فناً حديث العهد مقارنة بالشعر والرواية وحتى المسرح، وهي استفادت من تلك الفنون التي سبقتها ووظفتها داخل مساحة شديدة الكثافة والإيجاز. في القصة القصيرة تتجاور اللغة الشعرية مع معادلات رياضياتية مع السرد الروائي وديالوج مسرحي مع مشهدية سينمائية، كل ذلك من خلال وعي أصيل بتطريز النص بإيقاع جمالي ومحادثات مختزلة ذات مغزى.
هل تطغى الأفكار أحياناً على الجمالية والفنية؟ هل سبق وعانيت من ذلك؟
حين تكون الأفكار مندمجة في نسيج السرد، نابعة من داخله ومن عقول شخصيات القصة، فإنها بذلك تضيف للنص وتمنحه مزيداً من الرونق واللمعان والقدرة على التأثير. وهنا لا تكون الفكرة عبئاً بل جزءاً أساسياً من السرد ذاته. المشكلة عندما تكون الفكرة مدخلة عنوة على القصة فيتحول النص إلى أتان يحمل على ظهره خرجاً مليئاً بالأفكار لكنه لا يستفيد منه بل يشكل ثقلها عبئاً على تدفق كلماته وسلاستها.
بالعودة إلى نصوصك، كثيراً ما تحضر الطفولة، الجدة، الأم، المرأة… هل يمكن القول إنك تكتب من موقع حميمي؟
إذا كنت تقصد بالحميمية هنا هو القدرة على فتح نوافذ الماضي، والإصغاء إلى تلك التفاصيل الصغيرة المهمشة عند حواف الذاكرة، ربما نعم لكنها بعيدة عن الذاتية وغير ساكنة، متجددة لا تزال تنزف تفاصيل صغيرة تنتظر جملاً وكلمات كي تتقمصها.
أخيراً، ما الذي تطمح إليه من الكتابة اليوم، بعد هذه التجربة؟
لا أدري! الكتابة بحد ذاتها جميلة تجذبني إليها كما يجذب نور النافذة فراشات الحقل. أتمنى أن أعيد تجربة النشر هنا في مصر وأعود إليها في معارض الكتاب القادمة.
للحصول على تفاصيل إضافية حول أدهم سراي الدين: الأدب ليس ترفاً والحياة بلا فن طبيعة بلا ألوان - الخليج الان وغيره من الأخبار، تابعونا أولًا بأول.
